أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

453

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فيبدل منها « اللّه » مجازا كأنه قيل : لا يعلم الموجودون الغيب إلا اللّه ، أو يكون على سبيل المجاز في الظرفية بالنسبا إلى اللّه تعالى ، إذ جاء ذلك عنه في القرآن والسنة نحو : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ « 1 » وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ « 2 » ، قال : « أين اللّه » قالت : « في السماء » « 3 » ، ومن كلام العرب : « لاوذو في السماء بيته » يعنون اللّه ، وإذا احتملت الآية هذه الوجوه لم يتعيّن حملها على ما ذكره » انتهى ما ردّ به عليهما . أمّا ردّه على ابن عطية فواضح ، وأمّا ردّه على الزمخشري ففي بعضه نظر ، أما قوله « لا نعلمها لغة إلا في كتاب سيبويه » فكفى به دليلا على صحة استعمال مثله ، ولذلك شرح الشراح لكتاب سيبويه هذا الكلام بأنه قياس كلام العرب لما أنشد من الأبيات . وأمّا تأويله « ما أتاني زيد إلا عمرو » ب « ما أتاني زيد ولا غيره » فلا يتعيّن ما قاله ، وتصحيح الاستثناء فيه أنّ قول القائل « ما أتاني زيد » قد يوهم أن عمرا أيضا لم يجئه فنفى هذا التوهم ، وهذا القدر كاف في الاستثناء المنقطع ، ولو كان تأويل « ما أتاني زيد إلا عمرو » على ما قال لم يكن استثناء منقطعا بل متصلا ، وقد اتفق النحويون على أن ذلك من المنقطع ، وأمّا تأويل الآية بما ذكره فالتجوّز في ذلك أمر خطر ، فلا ينبغي أن يقدم على مثله . قوله تعالى : أَوْ تُخْفُوهُ : الظاهر أنّ الضمير المنصوب في « تُخْفُوهُ » عائد على « خبرا » والمراد به أعمال البر كلها . وأجاز بعضهم أن يعود على « السوء » أي : أو تخفوا السوء ، وهو بعيد . قوله تعالى : بَيْنَ ذلِكَ : أشير ب « ذلِكَ » وهو للمفرد ، والمراد به البينية أي : بين الكفر والإيمان ، وقد تقدّم نظيره في البقرة « 4 » و بَيْنَ » يجوز أن يكون منصوبا ب « يتخذ » وأن يكون منصوبا بمحذوف إذ هو حال من « سَبِيلًا » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 151 إلى 155 ] أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ( 153 ) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 154 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 ) قوله تعالى : حَقًّا : فيه أوجه :

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية ( 3 ) . ( 2 ) سورة الزخرف ، الآية ( 84 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1 / 382 ) ، كتاب المساجد ( 33 - 537 ) . ( 4 ) انظر الآية ( 68 ) .